خليل الصفدي

218

أعيان العصر وأعوان النصر

بدمشق ابن القاضي عماد الدين ، - وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة ، وتمام نسبه هناك - ، وأخو القاضي شهاب الدين يحيى ، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في حرف الياء . كانت فيه رئاسة عظيمة ، وسيادة تجلو ظلم الدياجي البهيمة ، ومروءة تحمله ما لا يطيق ، وعصبية يسير في طريقها مفردا بلا رفيق ، وكرم أنسي خالد به ذكر البرامكة الخالد ، وأحيا بطارفه ميت مجده التالد ، وقال له كل مؤمل : وبررتني حتى كأنك والد ، وإقدام حتى على الأسود ، والأساود يذوب عند شمسه الجليد ، وشجاعة لا تنكر له فإن ممن ينسب إلى خالد بن الوليد . وكان في ضميره من الترقي آمال ، وله في ذلك نيات صادقة وأعمال ، وعنده تشوف إلى وراثة ما لأسلافه من المناصب ، وله تطلع إلى ارتجاع ما سلبته الليالي بأيديها الغواصب ، فحال بينه وبين الوصول إليها حلول أجله ولم يفرح ذووه وأصحابه ببلوغ سؤله ولا نيل أمله : ( الطويل ) تقول له العلياء لو كان نالها * وجادل فيها من رآه يجالد وهبّت سراة النّاس ما لو حويته * لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد ولم يزل في توقيع الدست إلى أن وقع في المحذور ، وأغمد القبر منه شبا السيف المطرور . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في بكرة السبت الثالث من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة ، ودفن بالقبيبات في تربة الصاحب شمس الدين غبريال . وكان والده - رحمه اللّه تعالى - لما قدموا إلى دمشق من حلب قد زوجه بابنة الصاحب شمس الدين غبريال ، واحتفل به ، ورتبه الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - في جملة كتاب الإنشاء بدمشق ، وذلك في سنة ثماني عشرة وسبعمائة أو ما قبلها ، وقرر له معلوما جيدا ، ولما توجه الصاحب شمس الدين إلى نظر الدولة بالديار المصرية توجه معه ، ولما عاد منها عاد معه إلى دمشق . وكان مفرط الجود ، والكرم تحمل للتجمل من الديون ما بهظه حمله ، وآده ثقله لا تليق كفه درهما ، ولا دينارا غزير المروءة شجاع النفس كثير الإقدام على الأخطار سلمه اللّه تعالى مرات من العطب لصفاء نيته ، وحسن سريرته . ولما ملك الفخري دمشق في نوبة الطنبغا جعله كاتب سره ونفع الناس ، وولاهم الوظائف ، ولم يأخذ من أحد شيئا . ولما صار الفخري في دمشق ، وسكن القصر الأبلق ولاه وكالة بيت المال بدمشق مع توقيع الدست . ولما توجهوا إلى مصر مع الفخري خرجت عنه للقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود ثم إنه في أيام طقزتمر جلس في توقيع